الغزالي

138

إحياء علوم الدين

وهذا لا يختص بالأمثال ، بل يحسد الخسيس الملك ، بمعنى أنه يحب زوال نعمته ، لكونه مبغضا له بسبب إساءته إليه أو إلى من يحبه . وإما أن يكون من حيث يعلم أنه يستكبر بالنعمة عليه ، وهو لا يطيق احتمال كبره وتفاخره لعزة نفسه ، وهو المراد بالتعزز واما أن يكون في طبعه أن يتكبر على المحسود ، ويمتنع ذلك عليه لنعمته . وهو المراد بالتكبر وإما أن تكون النعمة عظيمة ، والمنصب عظيما ، فيتعجب من فوز مثله بمثل تلك النعمة ، وهو المراد بالتعجب . وإما أن يخاف من فوات مقاصده بسبب نعمته ، بأن يتوصل بها إلى مزاحمته في أغراضه . وإما أن يكون يحب الرئاسة التي تنبنى على الاختصاص بنعمة لا يساوى فيها . وإما أن لا يكون بسبب من هذه الأسباب ، بل لخبث النفس وشحها بالخير لعباد الله تعالى ، ولا بد من شرح هذه الأسباب . السبب الأول : العداوة والبغضاء . وهذا أشد أسباب الحسد ، فإن من آذاه شخص بسبب من الأسباب ، وخالفه في غرض بوجه من الوجوه ، أبغضه قلبه ، وغضب عليه ، ورسخ في نفسه الحقد . والحقد يقتضي التشفي والانتقام . فإن عجز المبغض عن أن يتشفى بنفسه ، أحب أن يتشفى منه الزمان . وربما يحيل ذلك على كرامة نفسه عند الله تعالى : فمهما أصابت عدوه بلية فرح بها ، وظنها مكافأة له من جهة الله على بغضه ، وأنها لأجله . ومهما أصابته نعمة ، ساءه ذلك لأنه ضد مراده . وربما يخطر له أنه لا منزلة له عند الله ، حيث لم ينتقم له من عدوه الذي آذاه ، بل أنعم عليه . وبالجملة فالحسد يلزم البغض والعداوة ولا يفارقهما . وإنما غاية التقى أن لا يبغى ، وأن يكره ذلك من نفسه . فأما أن يبغض إنسانا ثم يستوي عنده مسرته ومساءته ، فهذا غير ممكن . وهذا مما وصف الله تعالى الكفار به أعنى الحسد بالعداوة . إذ قال تعالى * ( وإِذا لَقُوكُمْ قالُوا آمَنَّا وإِذا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنامِلَ من الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ الله عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ ) * « 1 » الآية . وكذلك قال تعالى * ( وَدُّوا ما عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضاءُ من أَفْواهِهِمْ وما تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ) * « 2 » . والحسد بسبب البغض ربما يفضي إلى التنازع والتقاتل ، واستغراق العمر في إزالة النعمة بالحيل ، والسعاية ، وهتك الستر ، وما يجرى مجراه

--> « 1 » آل عمران : 119 ، 120 « 2 » آل عمران : 118